حيدر حب الله

232

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

وقد أدّى تنامي الحياة الفلسفية في المناخ الشيعي - بعد هذا التوافق الكلامي مع الفلسفة - إلى ظهور اهتمامات فلسفية وكلامية عقلية عند الشيعة أكثر من ذي قبل ، الأمر الذي فسح المجال للنزعة العقلية للحضور الفاعل في الحياة الشيعية . من جهة أخرى ، اضطرّت السياقات الجدلية الكلامية والأصولية علماء الشيعة إلى الدخول في مناخ عقلاني ، ذلك أنّه هو المناخ الأقدر على مخاطبة الآخر ، ولمّا كان العلامة الحلّي يقوم بإحلال التشيع في بلاد إيران ، وكان الشهيدان الأول والثاني يقومان بالحفاظ على التشيع في بلاد الشام السنية في إطار نقاش عقلاني ، كان من الطبيعي أن يمارس هذا الجيل فعلا عقلانيا لتشييد التشيع في البلاد الجديدة ، لأنّ نشاط هذا الفريق لم يكن ثورة في الداخل الشيعي - كما كان الحال مع الأسترآبادي ( 1036 ه ) - بل كان إقامة للتشيع في مناخ سنّي ، مما جعل الخطاب العقلاني ، واللغة المقارنة القائمة على المشترك ، أكثر حضورا من الخطاب الداخلي المنفلق على ذاته ، لأنّ أيّ جماعة ترى نفسها بحاجة إلى خطاب داخلي عندما تشكل في مجتمعها المتكامل - جغروسياسيا - الأغلبية الساحقة ، أمّا عندما تمثّل الأقليّة في محيط مغاير ، أو تريد إقامة ذاتها في محيط جديد فإنّ من الطبيعي أن تستخدم خطابا يقوم على المشترك قدر الإمكان ، ويعوّم كل ما يمكن أن يكون مقبولا على حساب الخصوصيات التي قد يرتدّ الآخر عليها إذا ما سمعها . وهذا كلّه أمر طبيعي ، من هنا وجدنا الخطاب العقلاني واللغة العقلية أقوى حضورا من لغة النص ، ولغة النص المشترك أقوى حضورا من لغة النص الخاص ، الأمر الذي أدّى إلى بعث مناخ يعطي العقل مزيدا من القيمة ، مما جعل الجوّ الشيعي يتقبّل على نطاق واسع اللغة المقارنة منذ « تذكرة » العلامة الحلّي . وقد نفذ المنحى العقلي إلى علم الفقه أيضا سيما مع المحقّق الأردبيلي ( 993 ه ) والمحقق الكركي ( 940 ه ) ، فظهرت أشكال من المماحكات العقلية ، ترافق ذلك مع تطوّر طبيعي في علم أصول الفقه . وقد تعزّز المنحى العقلاني بدخول الفقهاء مجال السياسة في العصر الصفوي ، الأمر الذي أغضب الأخباريين فيما بعد ، كما يذهب إليه بعض المؤرّخين « 1 » ، وربما تشهد له حالة التعاطف التي حظي بها الشيخ إبراهيم القطيفي ( 944 ه ) من جانب بعض رجالات الأخبارية « 2 » في موقفه الرافض لتلقّي هدايا الشاه الصفوي أو الانغماس في الحياة السياسية فوق الحدّ الممكن ، كما فعل الكركي ( 940 ه ) في تجربته السياسة - الفقهية المعروفة .

--> ( 1 ) - جودت القزويني ، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية 2 : 228 . ( 2 ) - البحراني ، الكشكول 1 : 290 - 291 .